ياسر عبد العزيز: زعيم عظيم… ومتقاعد!

ياسر عبد العزيز: زعيم عظيم… ومتقاعد!

شارك

يمكن لنا أن نستخلص من حياة كاسترو الكثير من العبر، بدءاً من انحداره من أسرة ثرية واتجاهه إلى الشيوعية، مروراً بالتحدي المستحيل الذي حمله على مقاومة السلطة بالسلاح وليس تحت إمرته سوى مئة رجل، وصولاً إلى صموده الأسطوري أمام جبروت الولايات المتحدة عقوداً.

في الأسبوع الماضي كان الزعيم الأسطوري فيديل كاسترو يتلقى التهاني بعيد ميلاده التسعين، الذي صادف مرور ثماني سنوات على تقاعده، وتركه طائعاً صولجانه وسلطته.

لقد تعرض كاسترو في حياته لأكثر من 600 محاولة اغتيال، وواجه استهدافاً ومؤامرات بوتيرة شبه يومية، وكان على لائحة الأكثر عداء للولايات المتحدة في فترة الحرب الباردة وما بعدها، ومع ذلك، فقد وجد فرصته للحياة، والعمل، ثم التخلي عن السلطة، والاحتفال بعيد ميلاده التسعين، وتلقي هدية سيجاراً بطول 90 متراً.

لم يصدق العالم قبل ثماني سنوات أن الرئيس الكوبي الذي كرس زعامته، وبدا عصياً على المحاولات الأميركية لاستهدافه، يمكن أن يتخلى عن سلطته ببساطة، حتى إن كان هذا التخلي لمصلحة شقيقه وتلميذه راؤول.

لكن فيديل، كما يحب أبناء شعبه أن يطلقوا عليه، فعلها وتنازل، طائعاً، عن ألذ النعم وأشدها إغراء… سلطة لا يحدها حد، ولا يربطها قيد، ولا يفتّ في عضدها الزمن.

فعلها الرئيس الكوبي السابق، بعدما حكم بلاده قرابة نصف قرن؛ فكان مالئ الدنيا وشاغل الناس، محط الأنظار وعدسات الكاميرات، وخالب ألباب السامعين، ومدغدغ عواطف المتابعين، ومثير أحقاد الكثيرين.

فعلها وقد كان تعلقه بالسلطة واضحاً، واستمتاعه بالقيادة لا شك فيه، وحرصه على البقاء في الزعامة هدفاً لا يساوم عليه.

في عام 1959، وفي ذروة عصر الكتلتين وتنازع عقل العالم وقلبه بين قطبين، وتقسيم النفوذ والثروات والمقدرات على رقعة الشطرنج الكبيرة بين الاتحاد السوفياتي السابق والولايات المتحدة الأميركية، وصل كاسترو إلى سدة الحكم، بعدما أطاح فولخنسيو باتيستا بعصبة من الرجال محدودة العدد، وبعزم لا ينفد وبكثير من الحظ والدأب والإصرار.

وإذ تمركز الشاب آنذاك كاسترو على دكة الحكم، بات من الصعب على أحد أن يطيحه من عرشه. تسعة من الرؤساء الأميركيين تعاقبوا عليه؛ خمسة منهم على الأقل اعتبروه هدفاً للتصويب، وعدواً صريحاً، وأربعة آخرون فعلوا الكثير لتكدير أحواله وانتظار سقطاته.

لكن الرجل مضى في طريقه بين حقول الألغام وحدائق الخطر، وكاد أن يدخل العالم إلى أتون حرب عالمية ثالثة، تُستخدم فيها الأسلحة النووية كما تُستخدم البنادق، وغير مرة تأرجح كرسيه على إيقاعات المجاعة والعوز، وتجرع كأس السم صاغراً في سنوات الحصار، وبدّل تكتيكاته مرات ومرات، ليتوافق مع عصر القطب الأوحد، حيث الولايات المتحدة قوة كونية تأمر الكون فيطيع، وحيث بات عثوره على صديق معلن أسهل بكثير من اجتراح معجزة من المعجزات.

فعلها كاسترو… وتنازل عن الحكم، ترك منصبيه التاريخيين؛ رئاسة مجلس الدولة، ورئاسة أركان الجيش، حيث تحكّم في مقادير الحياتين المدنية والعسكرية، قابضاً على سلطتي القمع والإرضاء، متحكماً في الموارد والقيود، فقط أتباع ومعاونون سامعون منفذون طائعون.

سلّم الزعيم الداهية السلطة لأخيه وتابعه وساعده الأيمن راؤول؛ فتفادى احتمالات المساءلة والمحاكمة والسجن والإلغاء، وتيقن من حفظ صورته التي كرسها عبر السنين في منأى عن التلطيخ والإهانة.

ما قاله فيديل آنذاك يجب أن يدرس بعناية؛ فقد علق على اعتزاله وتخليه عن المنصب قائلاً: “سوف أخون ضميري إن أنا قبلت تحمل مسؤولية تتطلب الحركة والتفرغ والتفاني بشكل كامل، فأنا لست في حالة صحية تمكنني من بذل هذا العطاء”.

كثيرون لا يعرفون السر الكبير.

كيف استطاع هذا الرجل ذو الخلفية العسكرية المحدودة أن يناطح أباطرة الزمان والمكان، وأن يتصدر المشهد الكوني، بإمكانات جزيرة منعزلة، وكتلة حيوية محدودة لا تكفي للبقاء في خريطة، في عصر عرف أعتى القوى، وشهد أقسى استخدامات للعنف وأوسعها؟

لم يكن كاسترو فقيراً، مدفوعاً بالإحساس بالظلم الاجتماعي، أو الحقد على الأغنياء، بل كان ابن أسرة ثرية، ورغم هذا، فقد قاده طموحه ورغبته في تخليص شعبه إلى الثورة.

لم يكن كاسترو ديمقراطياً، فلم يحرر الإعلام، ولم يتوقف عن الاعتقالات خارج إطار القانون، ولم يوفر وسيلة من وسائل القمع، ولم يمنح مواطنيه الحرية، ولم يكن حداثياً، لكنه كان وطنياً معتداً وصلباً.

أجيال عدة من الكوبيين لا تعرف غيره، وأجيال متتالية تعرف أن كاسترو هو كوبا، وأن كوبا هي كاسترو، إنها شمولية كاملة ودكتاتورية نموذجية، تفاعلت لعقود طويلة في ظل موجات استهداف من أعتى القوى في العالم.

كيف استطاع هذا الرجل الذي يتقن التدقيق في صورته، بملابسه العسكرية الخشنة، ولحيته غير المهندسة، وسيجاره الكوبي الفاخر، وحركته التي تنزع نحو حلم ثبت لاحقاً أنه غير كاذب، وعباراته التي يصوغها كما تصاغ مانشيتات المجلات، وخطاباته المفعمة بالطاقة والحماس والحدة… كيف استطاع أن يبقى متمتعاً بالاعتبار؟

لم يسقط نظام كاسترو، رغم مخاصمته للحداثة، ومعاداته للقيم الغربية.

لم يسقط نظام كاسترو، رغم انهيار الاتحاد السوفياتي، وتفتت المعسكر الاشتراكي، وتراجع النظرية الماركسية، وخفوت حركات التحرر الوطني.

لم تفلح العقوبات، ولم ينجح العزل، ولم يثمر الحصار، وظلت كوبا تحت قيادة فيديل وخلفه وشقيقه راؤول دولة متماسكة ذات اعتبار.

منذ اعتزاله تحدث فيديل في عدد من المحافل العامة بكلمات محدودة، داعياً إلى السلام، ورافضاً الهيمنة والاستعمار كدأبه، وهو الأمر الذي دعا شقيقه وخلفه راؤول إلى القول: “فيدل هو فيدل… ونحن نعرف جميعاً أنه لا يمكن الاستغناء عنه”.

يمكن لنا أن نستخلص من حياة فيديل الكثير من العبر، بدءاً من انحداره من أسرة ثرية، واتجاهه إلى الشيوعية، مروراً بالتحدي المستحيل الذي حمله على مقاومة السلطة بالسلاح وليس تحت إمرته سوى مئة رجل، وصولاً إلى صموده الأسطوري أمام جبروت الولايات المتحدة لعقود، وبقائه حياً، يقظ الذهن، مستمتعاً بالمكانة وتدخين السيجار، رغم سنوات عمره التسعين.

لكن كل هذا لم يكن ليدل إلى أعظم مناقب الرجل، وأعني بها قدرته على التخلي عن السلطة، وهو ممسك بزمامها تماماً.

يا له من زعيم عظيم، هذا الذي استطاع أن يتخلى عن زعامته في الوقت المناسب.

لا يوجد تعليقات

اترك تعليقا