شارك

كان يحملهم، وصار عبئاً ثقيلا عليهم.. هكذا يبدو واقع العلاقة بين جماعة الإخوان المسلمين ورجب طيب أردوغان، السلطان العثماني الجديد المتمترس في قصر الحكم في أنقرة. فقد تحول الرجل الذي كان في عيون “الإخوان” منقذاً وراعياً للمشروع الإسلاموي في الإقليم، إلى حاكم ينقلب على شعاراته وعلى ماضيه القريب وعلى ذاته، حين يتصالح مع إسرائيل على حساب إمارة الإخوان في غزة، ويتصالح مع روسيا على حساب الإخوان وتفريخاتهم الإرهابية في سوريا والعراق.

في بداية التحول التي سبقت محاولة الانقلاب الأخيرة في تركيا، مد إردوغان يده إلى بنيامين نتانياهو، وقدم كل ما تطلبه إسرائيل، وبعض ما لا تطلبه أيضاً، كبادرة حسن نوايا تجاه تل أبيب التي ردت على المبادرة التركية بتقديم وعد غير قابل للتنفيذ بالموافقة على بناء ميناء في غزة يكون منفذاً للقطاع وأهله، مقابل التطبيع الكامل بين تركيا وإسرائيل.. وقد حدث التطبيع، وظل مشروع الميناء وهماً بعيد التحقيق.

آنئذ، كابر الإخوان وأقرانهم في حماس، وعضوا على جرحهم، وتجاوزوا شعورهم بمرارة الخذلان، وهبوا للدفاع عن إردوغان، معتبرين أنه حقق لهم إنجازا تاريخياً من خلال إرغام الإحتلال الاسرائيلي على قبول فكرة الميناء.

ورغم كل ما مثله الاتفاق التركي – الإسرائيلي من تراجع عن الشعارات العنترية والتهديدات التي كان يطلقها إردوغان ضد إسرائيل بمناسبة وبدون مناسبة، ورغم صدمة الإخوان بالتقارب بين أنقرة وتل أبيب إلا أنهم ظلوا متمسكين برمزية الرجل وصورته الموهومة كقائد منقذ ومخلص يسعى لإعادة أمجاد المسلمين، وكان انتقاد الرجل وسياساته تصريحاً أو تلميحاً جريمة كبرى لا يغفرها الإخوان ومن ينضوي تحت عباءتهم السوداء.

بعد ذلك جاءت محاولة الانقلاب المشكوك في سيناريوهاتها، لتوفر لحاكم تركيا فرصة ذهبية يخرج فيها من ورطته في استعداء روسيا الدولة التي يخشاها الأتراك أكثر مما يخشون كوابيسهم في الليل الإردوغاني الطويل.

بادر الرجل فجأة إلى التقرب من موسكو، بعد أن كان قدم اعتذاراً عن اسقاط سلاح الجو التركي طائرة السوخوي الروسية المقاتلة وهي في طريقها لضرب أهداف داعشية في الأراضي السورية.

وهاتف فلاديمير بوتين قيصر روسيا الجديد، وذهب إليه في موسكو ليستسمحه عما بدر منه وعن زلات اللسان المدفوعة بوقع اللحظة وحماس الخطابة.

التقى الرجلان في الكرملين وتوافقا على تقريب المواقف، وتدفئة العلاقات، وربما التنسيق في ما يتعلق بنشاط الدولتين في النقاط الساخنة في جغرافيا الفوضى العربية، وتحديداً في سوريا والعراق.

يعني ذلك بالضرورة انتقال تركيا من الخندق الأمريكي المساند لداعش وجبهة النصرة وغيرهما من التنظيمات الظلامية، إلى الخندق الروسي المناوئ لهذه التنظيمات الإرهابية ورعاتها. ويعني ذلك أيضاً ضربة قوية لجماعة الإخوان المسلمين ورهانها على تركيا الإردوغانية.

لم أقرا حتى الآن أي رد فعل إخواني على التوافق التركي – الروسي، لكنني أعتقد أن الجماعة حائرة إزاء هذا الرد على حليف الأمس القريب، والذي علق عليه الإسلامويون كل طموحهم، لكنه انقلب فجأة على موقفه، وتنصل من شعاراته، وغير تحالفاته بواقعية سياسية انتهازية مدهشة في حدتها.

الإخوان الآن في مأزق، فلا هم قادرون على على المضي في تبجيل أردوغان، ولا هم قادرون على تحديه والهجوم على سياساته التي كانوا حتى الأمس القريب أول المدافعين عنها.

وهم في مأزق لأن النموذج التركي الذي روجوا له في المنطقة العربية منذ سنين، تغير كثيراً حتى صار نقيضا لذاته، ولأن الرمز الذي سوقوه في الشارع العربي نقل البندقية من كتفه الأيمن إلى كتفه الأيسر.

إنهم حائرون في تحديد موقف من هذا الرجل الذي كان حلاً وتحول إلى عقدة. لذا يختارون الصمت، وفي صمتهم يمضغون قهرهم وإحباطهم، ويخشون مما يجيء به أردوغان في آخر الزمان.

لا يوجد تعليقات

اترك تعليقا