د.عمار علي حسن: معاركنا الفكرية .. ثماني خلاصات أساسية

د.عمار علي حسن: معاركنا الفكرية .. ثماني خلاصات أساسية

شارك

من يمعن النظر في المعارك الفكرية التي وقعت في بلاد المسلمين على مدار القرن العشرين يخرج بنتيجة عريضة، تلخص المشهد العام للنزال الفكري الذي شحذ الهمم وأجلى العقول وألهب الحناجر وأوغر الصدور، وهي أن التحديات التي طرحها أصحاب الأفكار “غير المألوفة” كانت دوما أكبر من الاستجابات التي جاد بها من تصدوا لتلك الأفكار ومنتجيها، ليس لأن أتباع الفريق الأول أقوى حجة وأنصع برهانا وأثبت مراسا وأسلس عرضا، بل لأن أغلب أنصار الفريق الثاني لم يحسنوا اختيار أداة النزال، مما قاد في النهاية إلى ترك هذه المعارك من دون حسم، وجعل توابعها تتجدد من آن لآخر، حتى مع القرن الحادي والعشرين، وجعل كثيرين يشعرون أننا نحرث البحر أو نتحرك في المكان نفسه.

1 ـ كل المحاولات التي رمت إلى مواجهة الفكر بغير الفكر انتهت إلى عكس ما قصد أصحابها. فالكتب التي حوربت باتهام أصحابها بالكفر والمروق، وكانت الدوافع السياسية أكبر من العناصر الفكرية في التصدي لها، باتت أكثر شهرة وأوسع رواجا وبدا أصحابها “أبطالا” حتى في نظر بعض العوام، وحصدوا من المكانة ما لم يكن بوسعهم أن يبلغوا لو ظهر من يفند أفكارهم ـ وكثير منها متهافت الصنعة ضعيف البنيان ـ عن طريق الرأي العلمي، الذي يستخدم أدوات البحث الحديثة، وينطلق من اقتناع تام بأن الطريق أمام البحث المنهجي يجب أن يكون عريضا، خاليا من أي عثرات.

2 ـ إن الحكم على كثير من الأفكار التي دارت حولها تلك المعارك، لم يخل أحيانا، من التربص الذي صنعته الضغائن الشخصية، والسعي إلى تصفية الحسابات، والانتصار للمصالح الضيقة، حتى لو كان هذا على حساب الحق والحقيقة.

3 ـ إن التعامل مع نوايا من أثاروا تلك المعارك الفكرية على أنها “خبيثة” على الدوام، مسألة تفتقد إلى الدقة، وتحتاج إلى مراجعة تامة، وتتطلب تفاديها مستقبلا. فبعض هؤلاء وقع ضحية لنقص المعلومات وتشويهها أو التأويلات الخاطئة للنصوص، أو التسرع في إصدار الأحكام. وبعضهم أراد أن يدافع عن الإسلام فراح يجتهد، وكان يجب التعامل مع ما أنتجه على أنه “اجتهاد خاطئ” وليس مؤامرة لتشويه الإسلام أو النيل من الهوية المصرية. وبعضهم كان يرمي إلى منع آخرين من استغلال الإسلام في تحصيل مكانة سياسية أو مكاسب مادية، وبعضهم أراد أن يلقي حجرا في بحيرة الفقه الراكدة ليمنعها من التعفن، بفعل الفجوة الزمنية الواسعة بين تخرج الأحكام وحركة الواقع المعيش. وهناك من كان به علة من نقص فأراد أن يلفت الانتباه إليه فتجرأ على العقيدة، وصدم الناس في دينهم، واتبع مبدأ “خالف تعرف”، طارحا أفكارا غريبة لا دليل عليها، وليس بوسعها أن تصمد أمام أي حجة.

4 ـ كثير من أصحاب هذه الآراء حادوا عنها، بعضهم انقلب عليها مائة وثمانين درجة، مثل خالد محمد خالد، الذي ألف كتابا بعنوان “دين ودولة” تراجع فيه تماما عما جاء في كتابه “من هنا نبدأ” من اقتناع بفصل الدين عن الدولة، وبعضهم راح يعدل جزئيا في أفكاره مثل طه حسين، الذي أعاد طبع “في الشعر الجاهلي” بعد أن حذف منه ما أغضب الناس، لكنه لم يفعل الشيء نفسه حيال كتابه الآخر “مستقبل الثقافة في مصر”، الذي كانت نقطة الشد والجذب فيه تدور حول “الهوية” وليست “العقيدة”. أما منصور فهمي فصدمه ما قوبل به من “استهجان اجتماعي” فراح يعيد قراءة المراجع التي اعتمد عليها في أطروحته للدكتوارة عن “المرأة في الإسلام” فاكتشف أنه لم يتأن في الإحاطة بكل ما جاء به النص الإسلامي من قرآن وسنة، وما أنتجه الفقهاء في هذا الشأن، فلما أحاط علما بكل ما يتعلق بموضوع بحثه، غير أفكاره، وتحول إلى الدفاع عن الإسلام، لكن هذا لم يمنعه أن يظل حتى آخر أيام عمره غاضبا من عدم توافر حرية الفكر وحق الاجتهاد. وهناك من أصر على موقفه حتى آخر أيام حياته، مثل الشيخ علي عبد الرازق، الذي بدا واثقا مما انتهى إليه في كتابه الصغير الأثير “الإسلام وأصول الحكم”.

ومعنى هذا أن الجدل الفكري، ومقارعة الحجة بالحجة، وتوافر شروط النقد الذاتي، كفيل بتعديل ما اعوج من فكر، وتقويم ما شذ من رأي. أما الإرهاب الفكري، ورمي الناس بالفسوق والخيانة، قد يؤدي إلى عناد حتى ولو في الباطل، بل يساعد ضعاف النفوس على تحقيق ما يسعون إليه من شهرة أو مال.

5 ـ من الضروري أن يثق المتدينون في عقيدتهم، ويؤمنون بأنها أقوى دوماً من أن ينال منها رأي، أو يهدمها فكر. ولقد برهنت مسيرة الحياة أن الإسلام لم تضره السهام التي رمي بها، بل زادته منعة وقوة، لأنه ينطوي على بساطة في العقيدة تتأسس على الإيمان بوحدانية الله، وكمال صفاته الحسنى، ورحمته بعباده، ورحمة الإنسان بسواه، والعلاقة المباشرة بين الإنسان وربه، وعدم إغفال النية، مع ترك الحكم عليها لمن يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ومسؤولية الإنسان عن أفعاله، إذ “لا تزر وازرة وزر أخرى”، علاوة على مواكبة قواعد وأحكام الإسلام للفطرة الإنسانية.

كما بان برهان على أن الإلحاد مسألة يمكن الرد عليها، منذ أن قدم العلم حججا عقلية تجريبية لما جاءت به الأديان السماوية في خلق الكون، بعد أن أثبتت النظريات التي تلت “نسبية آنشتين” أن للكون عمرا، أي أنه مخلوق، وليس أبديا، كما كان يدعي الملحدون. ومن ثم فإن القابضين على دينهم، المؤمنين بربهم، عليهم أن يتساموا في مواجهة أي رأي، يرون فيه شبهة تجديف بالدين، ويتصرفون من منطلق أن ما هم عليه أقوى من أن تهزه سطور عارية في رواية أو قصيدة، أو أفكار خارجة بين دفتي كتاب، أو أي عمل ثقافي آخر. وعليهم فقط أن يبحثوا في الدين وفي العلم وفي الفكر عما يدحض ما يطرحه مخالفوهم في الرؤية والتصور الإيماني، وأن يطلبوا من الله لهم الهداية، من دون أن يتحول المؤمنون إلى قائمين مقام الله سبحانه وتعالى في الحكم على نوايا عباده، ومحاسبتهم عما يدور في طويتهم.

6 ـ إن إحالة الخلافات الفكرية والفقهية إلى ساحات القضاء هو العجز بعينه. ففي أغلب الأوقات لم يكن القضاء مؤهلا للنظر في مثل هذه القضايا، فجاءت الأحكام قاصرة مبتسرةـ تنطوي على جهل بمعنى ومبنى الأفكار محل الخلاف. وفي أوقات أخرى لم يكن القضاء بعيدا عن الضغوط السياسية والاجتماعية في فضه لهذا النوع من المنازعات، فجاءت أحكامه جائرة. والأفضل أن يتم تكوين لجان محايدة، يتم اختيار أعضاؤها حسب كل قضية، تدرس الأفكار التي تثير جدلا، وتدلي برأي شامل فيها، ينهي التنازع، ويريح النفوس، ويجلي العقول التي تستغلق أحيانا أمام الفهم، وتنقاد لطيش أعمى.

7 ـ إن بعض المعارك الفكرية قام نظرا لجمود الفقه الإسلامي، والوقوف عند ما أنتجه الرعيل الأول من العلماء والاكتفاء به، من جهة، والخلط بين “الإلهي” و”البشري” من جهة ثانية. وقد آن الأوان لفقه جديد، ولتفريق بين الإلهي والبشري في النصوص، فلا قدسية إلا للقرآن الكريم والأحاديث القدسية وما ثبت صحته من الأحاديث النبوية بعد قياسها على المبادئ والأحكام التي جاءت في النص الأول والمؤسس وهو القرآن، وعلى المقاصد العامة للشرع الإسلامي. أما الاجتهادات التي أنتجتها حركة الفقه منذ صدر الإسلام وحتى اللحظة الراهنة، فهي عمل بشري، بعضه لا يصلح مطلقا لزماننا، ولا يجب أن يحاط بهالة مقدسة، ولا يتمتع منتجوه بعصمة، ولا يكتسب أهميته إلا من زاوية أنه جزء من تاريخ الفقه، وفي بعضه ما يرشد إلى فهم قضايا دينية معينة، من دون أن ينسحب هذا على جميع الفقه وكل القضايا.

8 ـ من الخطر أن تتم تعبئة العوام خلال المعارك الفكرية، أو استغلالهم في ترجيح رأي على آخر، أو إرهاب صاحب فكر. فهذه القضايا تكون من التعقيد بما لا يمكن لعامة الناس أن يحيطوا بها كاملة، ومن ثم فإن إشراكهم في المعركة، يزيد الأمور حرجا، ويسوق أهل الرأي في اتجاه ترضية الناس وكسبهم، وليس في طريق الانتصار للحق والحقيقة. ولأن رأي العوام يميل دوما إلى المحافظة، وينزع إلى التمسك بما هو سائد، فإن فرص إحداث تراكم معرفي أو تقدم فكري تتضاءل. في الوقت نفسه فليس المطلوب من أصحاب الرأي، أيا كانت مواقفهم وتصوراتهم، أن يصدموا الناس فيما يعتقدون، ففي هذا اعتداء على حريتهم، وإضرار بسلامتهم النفسية، لكن عليهم أن يأخذوا بأيدي الناس على مهل، ليفهموا الحقائق الخافية عنهم، ويفكروا تفكيرا علميا في كل ما يسمعونه أو يقرأونه.

لا يوجد تعليقات

اترك تعليقا