عساف المسعود: هل انتقاد “الوهابية” خيانة وطنية ؟!

عساف المسعود: هل انتقاد “الوهابية” خيانة وطنية ؟!

شارك

طبيعة العلاقات السعودية الأمريكية تكرر نفسها في هذه الايام فلا يخفى سياسياً سوء العلاقة بين الدولتين وهي مرحلة سبق أن خاضتها الدولتين الحليفتين في أوقات سابقة من التاريخ بدءاً من التوقف عن تصدير البترول في عهد الملك فيصل ومروراً بالخلاف المعروف في التسعينات الميلادية والذي كان بسبب رفض الامريكان تزويد السعودية بطيارات ( (F15 ،  وانتهاءً  بخلاف اليوم في التوجهات والرؤى  في حل أزمات المنطقة  كالملف السوري، والنووي الإيراني، والملف المصري وما يدور حول الملف اليمني.

وهذا الهبوط السلبي في العلاقات السعودية الامريكية دائماً ما يتزامن ويتوازى مع خطاب الإعلام الأمريكي فيتم في كل مرة تسوء فيها العلاقات فتح ملف ما يسمى بـ “الوهابية” بأبعاده السياسية والاقتصادية والاجتماعية حيث يتذكر الجميع أنه عند رفض المملكة دخول القوات الامريكية والبريطانية للعراق بدأت الصحافة الامريكية تعيد نفس المحتوى السلبي اتجاه “الوهابية” كما في مرحلة 11 سبتمبر.

يبدو أن هذا الانتقاد لـ “الوهابية” له موضع في تاريخ العلاقات المشتركة، فينخفض ويختفي مع تزايد المصالح والتوافق، ويرتفع مع تضارب وانتفاء المصالح، أي أن العلاقة عكسية في هذا الشأن وما نشاهده اليوم في بعض التقارير الصحفية السلبية في الاعلام المرئي والمقروء الامريكي اتجاه هذه الحركة الدينية إنما هو أحد مظاهر انخفاض المصالح وعد التوافق بين البلدين.

إن الارتباط السياسي للدولة السعودية بهذه الحركة الدينية كان ارتباط تأسيساً لأركان الدولة بسبب ظروف قاسية وغير عادية ووفق سياقات قبلية وتاريخية كانت تفرض تواجد حركة دينية تدعم العمل السياسي للدولة السعودية الأولى والثانية والثالثة، لكن هذا الارتباط لم يمنع الإرادة السياسية من نقد ومعارضة هذه الحركة الدينية وفي حالات كثيرة عدم الانصات لها بدءاً من مرحلة فيضان البترول عام 1975 التي كانت تتطلب من النظام السعودي الانفتاح على الخارج وهذا ما كانت ترفضه الأفكار “الوهابية” حيث كان قبولها لهذا الانفتاح على مضض ، لكن نحمد الله أنه كان هناك مؤسس للدولة يستشرف المستقبل ولم يقف عند أراء هذه الفئة.

 كما استمر عدم الاصغاء لهذه الحركة الدينية في مراحل كثيرة من عمر الدولة في مسائل كالتعليم، والعلاقات الدولية، والقوانين، والاتفاقات العالمية في مسائل التجارة، والحوارات التقاربية بين الشعوب والديانات وبهذا تكون الدولة قد تجاوزت نسبة كبيرة من هذا الارتباط السياسي-الديني.  بل أن الدولة فتحت مساحة كبيرة للمراجعة والنقد لكثير من أفكار هذه الحركة فلا قدسية لأحد فنحن في الأخير أمة الإسلام وديننا يطالبنا بالتجدد لإيصال رسالته العالمية والتي تحمل السلام والرحمة.

إن الخطأ الذي يتكرر في كل مرة من قبل البعض عند انتقاد المنهج “الوهابي” من قبل الاعلام الخارجي، هو أخذ هذا الانتقاد الى مكان غير صحيح فيتم تحويل الموضوع على أنه هجوم على عرى الإسلام ومؤمرة لإخفاء الرسالة المحمدية واستعباد مليار مسلم حيث لا يعلم هؤلاء إنهم بهذا قد يتقاطعون بشكل غير واعي مع الخطاب المتطرف الذي يستدرج الشباب من خلال إشباعهم بنظرية المؤامرة واستعداء العالم المسيحي (الكافر). وهذا قد يعود في الاغلب لغبائهم السياسي.

لذا يجب أن يتماشى أصحاب هذه النظرة المؤمراتية والمعادية للخارج مع السياسة الخارجية السعودية التي تتسم في غالبها بالاتزان والحرص على السلام والامن الدوليين. فترويج هذه الأفكار العدائية في وسائل التواصل الاجتماعي هي أحد أسباب تزايد هذه التقارير ضد المنهج “الوهابي” فجزء كبير من الدراسات الان يقوم على مسح التوجهات والآراء في مثل هذه الوسائل، كما أنه يجب أن يفهم الاعلام الخارجي أن هذا الارتباط بهذه الحركة الأيدلوجية مرحلي، فلا يمكن لنا كعقلاء أن نتهم ألمانيا اليوم بالنازية أو بأن أمريكا اليوم وفق دستورها والاحداث الطارئة لديها بأنها دولة تروج للعنصرية ضد السود وأنها دولة التمييز العرقي.

نقلًا عن “أنحاء”

لا يوجد تعليقات

اترك تعليقا

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.